المقريزي

910

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

لقد كان كفوا للعداة ومعقلا * وركنا لهذا الدّين ، بل أيّما ركن هكذا وقفت عليه ، ثم رأيت بعد ذلك أنّ المزنيّ - رحمه اللّه - لمّا دفن ، مرّ رجل على قبره ، وإذا بهاتف يقول . . . فذكر البيتين . وقال آخر : [ البسيط ] للّه درّ الثّرى ما ضمّ من كرم * بالشّافعي حليف العلم والأثر يا جوهر الجوهر المكنون من مضر * ومن قريش ومن ساداتها الأخر لمّا توفّيت ولّى العلم مكتئبا * وضرّ موتك أهل البدو والحضر « 1 » ولآخر : [ البسيط ] أكرم به رجلا ما مثله رجل * مشارك لرسول اللّه في نسبه أضحى بمصر دفينا في مقطّمها * نعم المقطّم والمدفون في تربه ومناقب الشّافعيّ - رحمه اللّه - كثيرة ، قد صنّف الأئمّة فيها عدّة مصنّفات « 2 » ، وله في « تاريخي الكبير المقفّى » ترجمة كبيرة « 3 » . ومن أبدع ما حكي من مناقبه : أنّ الوزير نظام الملك ، أبا عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق ، لمّا بنى المدرسة النظاميّة ببغداد ، في سنة أربع وسبعين وأربع مائة ، أحبّ أن ينقل الإمام الشّافعي من مقبرته بمصر إلى مدرسته ، وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي - وزير الإمام المستنصر باللّه معدّ - يسأله في ذلك ، وجهّز له هديّة جليلة . فركب أمير الجيوش في موكبه ، ومعه أعيان الدّولة ووجوه المصريين من العلماء وغيرهم ، وقد اجتمع الناس لرؤيته . فلمّا نبش القبر ، شقّ ذلك على الناس وماجوا ، وكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، وهمّوا برجم أمير الجيوش والثّورة به ، فسكّتهم ، وبعث يعلم الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بصورة الحال . فأعاد جوابه بإمضاء ما أراد نظام الملك ، فقرئ كتابه بذلك على الناس عند القبر ، وطردت العامّة والغوغاء من حوله ، ووقع الحفر حتى انتهوا إلى اللحد . فعندما أرادوا قلع ما عليه من اللبن ، خرج من اللحد رائحة عطرة أسكرت من حضر فوق القبر حتى وقعوا صرعى ، فما أفاقوا إلّا بعد

--> ( 1 ) الموفق بن عثمان : مرشد الزوار 495 - 496 . ( 2 ) انظر الكتب المصنّفة في مناقب الإمام الشّافعي ، فيما تقدم 369 - 370 ه 2 . ( 3 ) المقريزي : المقفى الكبير 5 : 309 - 419 .